حبيب الله الهاشمي الخوئي

354

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

التّمحيص والبلاء ، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء وأضيق أهل الدّنيا حالا ، اتّخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب وجرّعوهم جرع المرار ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة ، وقهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع . حتّى إذا رأى اللَّه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبّته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضائق البلاء فرجا ، فأبد لهم العزّ مكان الذّلّ ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكَّاما ، وأئمّة أعلاما ، وبلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة « متّفقة خ » ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسّيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة . ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتّتت الألفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعّبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقي قصص أخبارهم فيكم ، عبرا للمعتبرين منكم .